إشراقات الـ 40: تأملات في كتاب الله

بقلم: (فهد عبد الواحد)

بعد أن تجاوزتُ الأربعين، بدأتُ أقرأ كتاب الله وكأن آياته تتنزل عليّ الآن لأول مرة. فُتح لي فهمٌ جديد لبعض الآيات، أدركت معه أن القرآن ليس مجرد نصوص نتلوها، بل هو دليل حياة لترميم الروح وطمأنينة القلب. أشارككم اليوم ثلاث وقفات تدبرية غيرت نظرتي لبعض المفاهيم:

1. "فحدّث".. عن المُنعِم لا عن النعمة

{وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11] لطالما احتار المسلم: هل يكتم الخير الذي هو فيه خشية الحسد، أم يتحدث به امتثالاً للأمر؟ لقد تجلى لي فهمٌ مختلف؛ النعمة المقصودة هنا هي "نعمة وجود الرب" في حياة الإنسان. إن الجحيم الذي يعيشه الكثيرون من قلق واكتئاب وجزع هو بسبب فقدان هذه النعمة (الإيمان). الحديث عن هذه النعمة هو "أمر إلهي" وهدفه إنقاذ الناس من عذاب غياب اليقين. تحدثوا عن سكينة الصلاة، وبركة الرضا، ولطف الله الخفي.. فهذه نعمٌ لا تُوفى حقها، والحديث عنها يُحيي القلوب ولا يثير الحسد، أما الماديات فاستعينوا على قضاء حوائجكم فيها بالكتمان مراعاةً للمشاعر واتقاءً للعين.

2. "كبيرة".. هي عناء الحياة لولا الخشوع

{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45] كنت أظن سابقاً أن كلمة "كبيرة" (أي ثقيلة) تعود على الصلاة فقط، لكن فُتح لي فهمٌ بأنها تعود على "الحياة" ذاتها. فالحياة بطبيعتها "كبد" وحملٌ ثقيل لا يُطاق، وهي بالفعل "كبيرة" ومجهدة إلا على فئة واحدة: (الخاشعين). من هم؟ هم الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم. هؤلاء وحدهم من يملكون "مخفف أحمال"؛ فالصلاة والخشوع يحولان ثقل الدنيا إلى خفة، ويجعلان الاستعانة بالصبر أمراً ممكناً. بدون خشوع، تبقى الحياة عبئاً لا ينتهي.

3. "بما حفظ الله".. ميثاق الوفاء المتبادل

{فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} [النساء: 34] في هذه الآية شرطٌ دقيق وعميق لحفظ البيوت. إن قدرة المرأة على أن تكون "قانتة حافظة للغيب" ليست مجرد خصلة ذاتية فحسب، بل هي مرتبطة بجملة {بِمَا حَفِظَ اللَّهُ}. وكأن المعنى يشير إلى معادلة إلهية: "أيها الرجل، بقدر ما تحفظ الله في حدودك وأفعالك وسرك، يحفظ الله لك أهلك". فصلاح الزوجة وصونها لبيتها في غياب زوجها هو ثمرة لحفظ الرجل لربه أولاً. إنها دعوة لكل رجل أن يبدأ بصلاح نفسه ليرى أثر ذلك في استقرار بيته وصلاح شريكته.

تعليقات

إرسال تعليق