سورة الفجر: "رأسمالية" بلا رحمة.. ونهاية يملؤها الندم

 

بقلم : فهد عبد الواحد 

4. سورة الفجر: "رأسمالية" بلا رحمة.. ونهاية يملؤها الندم

{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ...} إلى قوله {يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي}

في ظل التحولات الاقتصادية الجذرية التي تشهدها الدولة الجديدة في سوريا، نرى اندفاعاً نحو "رأسمالية متوحشة" ألغت مبدأ التدرج؛ فحررت أسعار الخبز والمحروقات، وانكفأت عن تقديم الطبابة المجانية، وألغت آلاف الوظائف. بل وصل الأمر إلى تحويل "الكهرباء" -وهي شريان الحياة والتعليم والصناعة- إلى سلعة تجارية باهظة الثمن، تُقطع عمن لا يملك وتُباع لمن يدفع، تاركةً 90% من الشعب في عتمة الفقر والعوز.

والسؤال الصادم هنا: كيف يجري كل هذا العصف بالفقراء تحت ظل حكومة ترفع شعار "الإسلام"؟ بينما كان النظام البائد -على علاته- يحافظ على دعم الأساسيات كحائط صد أخير ضد الجوع والظلام.

لقد كنتُ، ولا زلت، من المعجبين بنماذج الدول المتقدمة في الحوكمة والشفافية والاقتصاد الحر، ولكن سورة "الفجر" أيقظت في ذهني حقيقة قرآنية مرعبة لمن يديرون الدفة اليوم. لقد استعرض الله دولاً بلغت ذروة القوة والتمكين (عاد، ثمود، فرعون)، لكنه أهلكها لعلةٍ اجتماعية واقتصادية واضحة: {كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا}.

إن رسالة القرآن لهؤلاء واضحة: إذا بنيتم دولاً ناجحة بمقاييس الأرقام والخصخصة، لكنها تقوم على أنقاض الضعفاء الذين لا يجدون ثمن خبزهم ولا ضوء بيوتهم، فانتظروا "الزلزال" الذي توعدت به السورة في خواتيمها: {كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ۚ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ (23)}.

هناك، حيث لا تنفع "ميزانيات الدولة" ولا "مشاريع الخصخصة"، سيقف المسؤول وجهاً لوجه مع حقيقة ظلمه، ويصرخ صرخة الندم الأبدي: {يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي}. لقد قدمتم "للمستثمرين" و"للأرقام الجافة"، ولكنكم لم تقدموا لحياتكم الحقيقية عبر حفظ كرامة الإنسان الذي أثقلتم كاهله بالضرائب والأسعار وحرمتموه حتى من الضوء.

إن الدولة التي لا تجعل "كفاية المسكين" وحاجاته الأساسية من غذاء ودواء وكهرباء أولوية فوق كل اعتبار رأسمالي، هي دولة تخالف صريح القرآن، وتستدعي عذاباً صُبَّ صبّاً كما حدث للأولين.

تعليقات